تخطي إلى المحتوى الرئيسي

El Laithy & Associates Lawyers

خطى ثابتة نحو انتشار التكنولوجيا المالية

Steady

يمر الزمان يوماً بعد يوم ونجد الحاجة في التغيير لمواكبة تطوراته، حتى مر بنا العقد الأخير ووجدنا أن حاجتنا للتطور باتت أكثر إلحاحاً، فأصبحت الحياة سريعة والتعاملات بين الأشخاص أسرع، وخاصة التعاملات المالية، والتي فتحت الباب على مصراعيه للتطور التكنولوجي لتسهيل المعاملات المالية المصرفية وغير المصرفية عن طريق استخدام التكنولوجيا، حتى وصلنا لمرحلة إتمام التحويلات والعمليات المالية بمختلف أنواعها من المنصات الإلكترونية أو التطبيقات الهاتفية، وهو ما أستدعى أن تحظى تلك المعاملات بالحق في أن تُنظم قانونياً كما حظت بالاهتمام الكافي في تطويرها تقنياً، ما جعل مختلف البلدان تتنافس في وضع المبادئ والقواعد القانونية التي تنظم الأنشطة المالية التكنولوجية.

ورغم تعدد التشريعات القانونية التي صدرت في محاولة لوضع الأسس والخطوط العريضة لقانون شامل لتنظيم العمليات والأنشطة المالية التكنولوجية في مصر، مثال قانون تنظيم استخدام وسائل الدفع غير النقدي وقانون البنك المركزي وقانون تنظيم التوقيع الإلكتروني وقانون حماية البيانات الشخصية، والتي تعتبر خطوةً لوضع حجر الأساس لتنظيم الأنشطة المالية الإلكترونية المختلفة، إلا أنها لم تكن كافية لتنظيم المعاملات المالية غير المصرفية بشكل وافي، حتى صدر قانون رقم 5 لسنة 2022 بإصدار قانون تنظيم وتنمية استخدم التكنولوجيا المالية في الأنشطة المالية غير المصرفية.

لذا يسعدنا أن نعرض لكم بشكلٍ من التبسيط والإيجاز أبرز ما ورد في القانون سالف الذكر، ودون تعرض لأي تشريع أو تنظيم آخر، مع إبداء رأينا الشخصي عن به من مميزات وعيوب.

الهدف من القانون:

بقراءة قانون تنظيم التكنولوجيا المالية نجد ابتداءً أنه قد نُظم بشكلٍ أساسي لنشر الوعي بفكرة الشمول المالي التي تهدف بشكل رئيسي لاستخدام المعاملات المالية الإلكترونية بشكل واسع، فنجد في المادة الأولى منه أنه قد عرض ذلك صراحة في تعريف الشمول المالي، حيث يهدف إلى استخدام الخدمات المالية من مختلف فئات المجتمع والاستفادة من تلك الخدمات لإدارة أموالهم بشكلٍ سليم، كما أكد مجدداً في المادة الثانية على ذلك الهدف بذكره ضمن ما لهيئة الرقابة المالية من سلطة لتحقيق الغرض من ذلك القانون، وهو ما يعد حجر الأساس لميكنة عمليات الدفع أو السداد المختلفة بشتى أنحاء جمهورية مصر العربية.

الهوية الرقمية وحجيتها قانوناً:

تناول القانون سالف البيان أهم نقاط التحول الرقمي في رأينا، والمتمثلة في إنشاء هوية رقمية لكل مستخدم، والتي يتم تسجيلها في سجل رقمي خاص، ولكنها لا تكون كسائر الحسابات الرقمية التي نملكها على الإنترنت أو نستخدمها تكنولوجياً، فوضع القانون أول الخطوات الراسخة نحو إعطاء تلك الهوية الرقمية الحجية القانونية اللازمة لحماية الحقوق، فنص في المادة 11 منه على أن يكون لتلك الهوية الرقمية حجية المحررات الرسمية في الإثبات، وبهذا نرى اتجاه المشرع الصريح نحو ميكنة المحررات الرسمية المستخدمة سواء في الأنشطة المالية أو غيرها، فبمجرد تطبيق تلك الفكرة بنجاح سيتم تعميمها في مختلف المجالات، حيث قد نرى مستقبلاً قدرة الأشخاص على إصدار التوكيلات إلكترونياً باستخدام هوياتهم الرقمية دون الحاجة للذهاب للشهر العقاري، أو حتى استخدام الهوية الرقمية في ميكنة إجراءات التقاضي،فتصبح الهوية الرقمية ما يعتبر نظير بطاقة الرقم القومي التي نحملها ونستخدمها في مختلف الأنشطة اليومية.

العقود الرقمية والعقود الذكية:

ورغم أن تحقيق الوعي هو الهدف الرئيسي، إلا أن ضمان الحقوق في العلاقات التعاقدية المالية بين الأشخاص قد نال الاهتمام أيضاُ ، فنجد في المادة الأولى تعريف العقود الرقمية كنوع من أنواع العقود المبرمة بين الأشخاص إلكترونياً، والتي ذُكر أنها قد تكون عقوداً ذكية تنفذ أحكامها تلقائياً، وهو من وجهة نظرنا الأمر الذي قد يُعمل به في إعطاء كل طرف من أطراف العقد القدرة على استخدام ما للطرف الأخر من حقوق تلقائياً بمجرد إبرام العقد بينهما، ولكن لم يبين المشرع ذلك تفصيلاً، وهو ما قد يعد إشارة لإصدار تنظيم تشريعي جديد يختص بتنظيم العقود الذكية في المستقبل.

الشكل القانوني للشركات العاملة بمجال التكنولوجيا المالية:

رغم أن القانون لم ينص صراحةً على الشكل القانوني اللازم لممارسة الأنشطة المالية غير المصرفية المستخدمة للتكنولوجيا المالية، إلا أننا نرى أنه قد قصر ضمناً الشكل القانوني للشركات المزاولة لتلك الأنشطة على أن تكون شركات مساهمة، فقد نص على ذلك ضمناً بتطلبه شهادة إيداع بنكية تفيد سداد رأس المال المصدر بالكامل، حيث لا يُقسم رأسمال أي شركة إلى مُصدر ومدفوع إلا في الشركات المساهمة. وعاد المشرع لينص في المادة 9 بأن يكون الحد الأدنى لرأس المال المُصدر بما لا يقل عن مائتان وخمسين ألف جنيه، وهو نفس الحد الأدنى المطلوب في الشركات المساهمة.

ذلك إلى جانب ما تم ذكره في المادة 14، حيث ذكر أن لهيئة الرقابة المالية السلطة في اتخاذ تدابير معينة تجاه الشركات العاملة في مجال الأنشطة المتعلقة بالتكنولوجيا المالية وذلك في حالة قيام الشركة بما من شأنه تهديد مصالح المساهمين، كما نص في نفس المادة على أن لهيئة الرقابة المالية السلطة في دعوة وحل مجلس إدارة الشركة العاملة في أنشطة التكنولوجيا المالية، وبذلك نستشف أن الشكل القانوني المقصود هو الشركات المساهمة.

بناءً على ما سبق، نجد أنه لم تعد النشطة المصرفية فقط هي التي لا يتم ممارستها إلا من خلال شركة مساهمة، بل لحقتها الأنشطة المالية غير المصرفية بتطلبها نفس ذات الشرط، وذلك لما للتعاملات المالية من مكانة حساسة بالنسبة للأشخاص.

اختصاص هيئة الرقابة المالية أصالةً بتحقيق الغرض من القانون:

ببحث الباب الثاني من القانون، نجد أنه قد تم وبشكل نهائي النص على أن تأسيس الشركات الراغبة في مزاولة الأنشطة المالية التكنولوجية غير المصرفية لا يتم إلا أمام الهيئة العامة للرقابة المالية، فأصبحت ذات الاختصاص الأصيل في تولى أمور تلك الشركات منذ نشأتها ومروراً بتنظيم أمورها حتى الانتهاء بتلقي الشكاوى من المتعاملين معها وتطبيق العقوبات الصارمة على المخالفين، وذلك لما تحظى بها تلك الشركات من مكانة خطرة تتمثل في التعامل بأموال الأشخاص.

بل وذهب المشرع بالحرص لأبعد من ذلك فجعل طلب تأسيس تلك الشركات خاضعاً للسلطة التقديرية للجنة تضم عناصر فنية وقانونية، والتي تبت في إصدار قرار بالتأسيس من عدمه خلال 30 يوماً، وهي المدة التي قد يُعتقد للوهلة الأولى أنها مدة طويلة مقارنة بتأسيس سائر أنواع الشركات التجارية، ولكننا نرى ذلك من باب الحرص على وجود تلك الشركات الحساسة في البيئة الاقتصادية المصرية.

بل أكد المشرع حرصه على ذلك بجعل رفض التأسيس قراراً ضمنياً في حالة عدم صدور قرار من اللجنة خلال المدة السالفة، وذلك لوجوب تطلب الموافقة الصريحة على وجود تلك الشركات.

كما حظر المشرع تلك الشركات من مزاولة نشاطها في مصر إلا بعد الحصول على ترخيص بذلك من هيئة الرقابة المالية ووفقاً للشروط والضوابط التي نص عليها القانون.

الترخيص بمزاولة الأنشطة للشركات المتخصصة والشركات الناشئة:

استكمالاً لدور هيئة الرقابة المالية الفعال والذي بدأ باختصاصها بتأسيس الشركات العاملة في مجال الأنشطة المالية غير المصرفية باستخدام التكنولوجيا المالية، نص المشرع على أن مجرد التأسيس لا يتيح ممارسة تلك الأنشطة، وإنما يجب على تلك الشركات الحصول على ترخيص صريح من هيئة الرقابة المالية بمزاولة الأنشطة المرخص لها بها، وذلك بعد التأكد من أن يتوافر لدى الشركة التجهيزات والبنية التكنولوجية وأنظمة الأمان والحماية والتأمين اللازمة، في خطوة نحو التأكد من حماية مصالح المستخدمين لتلك التطبيقات والحفاظ على بياناتهم.

وأشترط القانون سداد الرسم اللازم للحصول على ذلك الترخيص، والذي جعل حده الأقصى خمسين ألف جنيه، وذلك بالنسبة للشركات المتخصصة في مجال الأنشطة المالية غير المصرفية المستخدمة للتكنولوجيا المالية، أما بخصوص الشركات الناشئة في ذلك المجال فقد أُحيطت بعناية واهتمام المشرع، الذي اتخذ خطوة نحو دعم الشركات الناشئة بإصدار هيئة الرقابة المالية لترخيص مؤقت لمدة سنتين فقط لتلك الشركات، إلى جانب إعفائهم من رسم الترخيص سالف الذكر، وذلك في محاولة من المشرع لتشجيع الشركات الناشئة للعمل بذلك المجال ونشر التكنولوجيا المالية، وإن كنا نأخذ على نص القانون عدم بيانه لما ستتعرض له الشركات الناشئة بعد انتهاء مدة ترخيص السنتين المؤقت، فلم يوضح إذا كان ستخضع تلك الشركات لإعادة تقييم من هيئة الرقابة المالية للبت في أوضاعها وإكمالها لمزاولة النشاط من عدمه، أو إذا كانت ستخضع مباشرة بعد انتهاء مدة السنتين لدفع رسم الترخيص كسائر الشركات المتخصصة، وهو الأمر الذي نتوقع بيانه في التشريعات القادمة.

المختبر التنظيمي للتجربة المبدئية:

حرصاً من المشرع على المصالح، وفي خطوة ذكية من هيئة الرقابة المالية، نص القانون في المادة 9 منه على إنشاء مختبر تنظيمي للتطبيقات يسمج لمزاولي الأنشطة المالية غير المصرفية باستخدام التكنولوجيا المالية باختبار تطبيقاتهم المبتكرة قبل تقديمها للعملاء، وهو ما يعد بالخطوة الضرورية واللازمة قبل طرح تلك التطبيقات لما فيها من خطورة ولما تمسه من مصالح مالية لمختلف الأشخاص.

وإن كان المشرع لم يلزم مزاولي الأنشطة لمالية غير المصرفية باستخدام التكنولوجيا المالية باللجوء إلى ذلك المختبر قبل طرح ابتكاراتهم، إلا أننا نرى أنه وجب النص على ذلك الالتزام صراحة، رغم أنه قد يخالفنا البعض في ذلك من منطلق الحفاظ على السرية وعدم الإفصاح عن آلية ابتكار تلك التطبيقات، حتى وإن كانت الجهة المختبرة لها هي هيئة الرقابة المالية نفسها، إلا أننا نرد بعدم جدوى تلك الحجة ونوصي بأن توفر هيئة الرقابة المالية الحماية اللازمة لمالكي تلك التطبيقات ضد أي تسريب أو إفصاح بشكل غير رسمي أثناء عملية الاختبار.

بناءً على ما سبق، نود أن نعرب عن دعمنا لكل ما يواكب سرعة تطور العالم من حولنا، فكان قانون 5 لسنة 2022 خطوة ثابتة في مشوارٍ طويل من الخطى القادمة نحو انتشار التكنولوجيا المالية ونشر فكرة الشمول المالي، والتي سترسم الطريق لاحقاً لمختلف مجالات التعاملات والأنشطة في حياتنا اليومية مستغنين بذلك عن التعاملات الورقية وموفرين الجهد والوقت لما ينفع البشرية فيما هو قادم من تحديات.

SHARE ON:

Facebook
WhatsApp
LinkedIn
Email
Telegram

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

EnCt260ffb0b325b06e896e43f54b39a56aecec0712a260ffb0b325b06e896e43f54babNDAc0ZMQL 0pdT0T2PBfK0dThfe/Ir14oOmELQC77PG+/NH2FB1iBX10UYVFoxrixhyIeNB7z1Ddq/WnMKI4+29CzZ OMA==IwEmS