تخطي إلى المحتوى الرئيسي

El Laithy & Associates Lawyers

مشروعية التجارب الطبية للقاحات كورونا

Covid19
منذ ظهور وباء كوفيد-19 المعروف بفيروس كورونا المستجد وتطوره وانتشاره لأكثر من عامين والعلماء في شتى أنحاء العالم يحاولون بجهد الوصول للقاح لهذا الداء الذى أٌبتلينا به، وبالرغم من الأبحاث التى أجراها العلماء على فيروس كورونا في المعامل الطبية إلا أن تلك الأبحاث والتجارب لم تكن كافية لأعتماد لقاح فعال للفيروس بعد دخوله جسم الإنسان، لذا اتجه العلماء لتجربة اللقاحات المختلفة على المرضى وحاملي الفيروس، فبدأوا بالتجارب على حاملي الفيروس في حالته الخاملة وصولاً لمن عانوا من أعراض مرضية شديدة. وما أن بدأت التجارب السريرية على البشر حتى نالت النصيب الأكبر من النقد، فتارة تُنتقد لمساسها بمبدأ “عصمة الجسد” الذي يعطى حرمةً خاصة لسلامة جسم الإنسان، وتارة أخرى تُنتقد لعدم مراعاة التناسب بين منافع وأضرار التجربة على الأنسان، مما أثار جدلاً كبيراً حول مشروعية تلك التجارب بين الإباحة والحظر، لذا كان لا بد من التساؤل عن المعايير الواجب مراعاتها للقيام بتجارب اللقاحات الطبية المتنوعة على البشر لمواجهة وباء كوفيد-19. 

الضوابط الدولية للتجارب الطبية

وبالبحث نجد أن المجتمع الدولى قد ولى التجارب الطبية أهتماماً كبيراً لما تمثله من خطورة على سلامة الأنسان، فكان إعلان هلسنكي الصادر في 1964 أبرز صور ذلك الأهتمام، حيث شكل ذلك الإعلان وما حدث عليه من مراجعات وتوضيحات خارطة الطريق المتبعة في شأن وضع ضوابط التجارب على البشر منذ ذلك الحين حتى يومنا هذا، ويمكن أن نخلص تلك الضوابط في ثلاثة ضوابط رئيسية هم: الهدف العلاجي، والرضا بالتجربة الطبية، ومراعاة التناسب بين المنافع والأضرار الناشئة عن التجربة.   ولفهم فكرة الهدف العلاجي للتجربة كأحد ضوابط التجارب على البشر نجد أنه يجب أولاً أن ندرك أهمية ذلك الهدف في الاعمال الطبية على وجه العموم، فمن المعلوم أن مشروعية الأعمال الطبية عامةً تقوم على سبب إباحة أقره القانون، أو بمعنى أسهل تقوم على موافقة أو رضاء المريض لما سيتعرض له. فعلى سبيل المثال إذا قام الطبيب بعملية جراحية لأحد المرضى بهدف علاجه فلا يعوض المريض عن ما تسبب فيه من جروح لازمة لشفائه، على عكس قيامه بجرح شخص لأي سبب آخر غير العلاج فلا يستفيد من سبب الإباحة ويكون مسئولاً مدنياً بتعويض المضرور وقد يُسأل جنائياً عن جريمة أصابة أو قتل.  وقياساً على الأعمال الطبية نجد أن التجارب الطبية على وجه الخصوص تستلزم بشكلٍ أشد أن يكون الهدف منها هو العلاج، فلا يجوز أن يكون الهدف مجرد التجربة، وتطبيقاً لذلك نجد أن إحدى المحاكم الفرنسية قد سبق وتعرضت بالفعل لمثل ذلك الفرض، حيث أدانت طبيب قام بإجراء علاج تجريبي على طفل مريض بمرض الزهري الجلدي، فأدانته بجريمة الجرح العمدي وذلك بالرغم من تحسن حالة الطفل بعد التجربة، إعمالاً وتأكيداُ على مبدأ أن يكون الهدف الأساسي من التجربة هو الهدف العلاجي وليس مجرد التجربة.  ويُلاحظ أن ما سبق لا يُغلق الباب أمام استخدام الوسائل الطبية الحديثة في التجارب الطبية للتوصل للقاحات كورونا ما دام الهدف الأساسي هو العلاج وليس مجرد التجربة، وما دامت تلك الوسائل قد سبق إختبارها وتجربتها على الحيوانات قبل الإنسان. 

أهمية رضاء المريض بالتجربة الطبية

وباستعراض ما سبق نجد أنه غير كافي بذاته لضمان حقوق المريض المجرب عليه الدواء أو اللقاح الجديد، فكان حتمياً أن يضاف ضابط آخر ليحكم تلك العملية، وهو ضابط رضا المريض بالتجربة قبل بدأها، فإذا كان الرضا ركن أساسي في أي عقد، فهو أيضاً كذلك بالنسبة للعقود الطبية. فعلى سبيل المثال: إذا احتاج مريض لإجراء عملية جراحية فيجب أن يقوم الطبيب بأعلامه وتبصيره بكافة الإجراءات والنتائج التي سيتعرض لها المريض، وذلك ليكون رضاه شاملاً لكل ما سيواجهه مستقبلاً، وفي هذا السياق قُضي بمسئولية الطبيب الذي قام أثناء إجرائه جراحة لمريض بإستئصال ورم حميد لم يشكل أي خطورة على حياة المريض، وذلك لأن العقد بينه وبين المريض لم يكن شاملاً ذلك الاستئصال.  بناءً على ما سبق، نجد أن لركن الرضاء أهمية أكبر في مقام التجارب الطبية، وخاصة أن الدستور المصري في المادة رقم 60 نص أنه ” لجسد الإنسان حرمة، والاعتداء عليه، أو تشويهه، أو التمثيل به، جريمة يعاقب عليها القانون. ويحظر الاتجار بأعضائه، ولا يجوز إجراء أية تجربة طبية، أو علمية عليه بغير رضاه الحر الموثق، ووفقاً للأسس المستقرة في مجال العلوم الطبية، على النحو الذي ينظمه القانون. “، لذلك يتعين على القائم بالتجربة أن يُعلم المريض بكافة المخاطر والمزايا المتوقعة من التجربة.  وبالتالي نجد أنه في حالة تجربة لقاحات كورونا على المرضى يجب أن يتم إعلامهم بالأعراض التي قد يعانون منها، مثل: إرتفاع درجة حرارة الجسم، والدوار، والشعور بالإنهاك الشديد إلخ…، بجانب ضرورة إعلام المريض بما قد يعود عليه من مزايا جراء تلقيه ذلك اللقاح، مثل: ما سيعود عليه من تقوية مناعة المريض ضد فيروس كورونا، أو القدرة الأكبر التي سيحصل عليها في مقاومة الفيروس عند أصابته به، وذلك كله لتحقيق الرضا المستنير الكامل لجوانب التجربة الطبية المقامة على المريض. 

الضابط الحاسم في التجارب الطبية

ورغم كل ما سبق إلا أنه لم يكن كافياً لكبح جماح المشاكل الناتجة عن التجارب المقامة على البشر، فظل هناك ما ينقص تلك الضوابط ليتمم إحكام السيطرة على تلك التجارب وللحفاظ على سلامة كل إنسان، لذا تم وضع ضابط مراعاة التناسب بين المنافع والأضرار الناشئة عن التجربة، حيث يعد ذلك الضابط من الأهم بشأن إجراء التجارب الطبية، فيجب الموازنة بين المنافع التي قد يحصل عليها المريض مقابل ما قد يصيبه من أضرار، فإذا كانت الأضرار أكبر من المنافع فلا تًجرى التجربة ولا يُعترف بما يتنج عنها إذا كانت قائمة بالفعل، فعلى سبيل المثال عند بداية ظهور لقاحات كورونا بدأت الإدعاءات تتهاوى على أسماعنا. فقيل بأن اللقاحات تسبب الفقدان الدائم لحاسة الشم، وقيل بأنها تتسبب في الجلطات الدماغية، بل ووصلت الإدعاءات للقول بتسبب اللقاحات بإصابة الرجال بالعقم، وهو ما يؤكد أن تلك الإدعاءات ما هى إلا إشاعات، حيث أن تلك الأضرار تتخطى المنافع المستهدفة من التجربة، فالهدف من التجربة هو تقوية مناعة جسم الإنسان لمواجهة فيروس كورونا عند الإصابة به ليس أكثر.  ويرى البعض ممن سلموا بتلك الإشاعات أنه حتى وإن كانت تلك الأضرار حقيقية فإنها أهون من الوفاة متأثراً بالإصابة بالفيروس، ولكن لا يمكن التسليم بذلك القول، فلا تعد الوفاة أمراً محتماً، ولا نتيجة اللقاح هي بالأمر المعلوم، حيث أن نسبة الوفيات نتيجة الإصابة بالفيروس لا تتعدى 1,7% من إجمالي عدد الإصابات، فالوفاة ليست مؤكدة كما هو الحال في بعض الأمراض. فمثلاً تكون الوفاة مؤكدة حال الإصابة بالسعار أثر هجوم أحد الحيوانات وعدم تلقى اللقاح المضاد في الوقت المناسب، وعلى النقيض الآخر لا تعد نتيجة اللقاح أمراً مؤكداً فلا هو يشفى من المرض ولا هو بمانع له، فكم سمعنا عن حالات الوفاة بكورونا رغم حصول المتوفى على اللقاح، وبالتالي لا يمكن الموافقة على تلك الأضرار أو اعتمادها من قبيل الموازنة بين المنافع والأضرار. 

التعامل مع اللقاحات والشائعات

وباستقراء الضوابط الثلاثة سالفة البيان، نجد أن اللقاحات المستخدمة حالياً بمختلف أنواعها لا بد وأن تكون قد مرت بتلك الضوابط، فلا يمكن إعتماد أي لقاح قبل التأكد من مشروعية التجربة التي أدت إلى إكتشاف نتائجه، وما علينا سوى إمعان النظر وإعمال العقل فيما نسمعه من أقوايل وأراء، فنستنتج ونتوصل لما هو حقيقي ونميزه عن ما هو هدم للحقائق، فحتى وإن كنت من المشككيين في فعالية تلك اللقاحات فتأكد أنها لن تضرك إذا لم تنفعك، لذا نوصى كل من سنحت له الفرصة بأن يتلقى لقاحات كورونا وألا ينساق وراء الشائعات حتى يحمى نفسه وغيره من خطر ذلك الداء وحتى يرفع الله عز وجل عنا ذلك البلاء. 

SHARE ON:

Facebook
WhatsApp
LinkedIn
Email
Telegram

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts

المقالات والأبحاث

كيفية التعامل مع حجز الضرائب على حسابات البنوك في 2024

المقالات والأبحاث

ضريبة الشركات في مصر – الدليل الشامل

المقالات والأبحاث

شروط إقامة المستثمرين الأجانب في مصر

EnCt260ffb0b325b06e896e43f54b39a56aecec0712a260ffb0b325b06e896e43f54babNDAc0ZMQL 0pdT0T2PBfK0dThfe/Ir14oOmELQC77PG+/NH2FB1iBX10UYVFoxrixhyIeNB7z1Ddq/WnMKI4+29CzZ OMA==IwEmS